عبد الوهاب الشعراني

414

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

ميزانا في حق الأمة لا في حق الأنبياء تميز به بين المحمود والمذموم ، وهو أن اللّه تعالى إذا مدح عبدا من عبيده فإنما ذلك لفتور همة العبد عن امتثال أمر سيده مجانا ، ولو أنه علم من قلبه عدم العلة من حيث الثواب وغيره لما مدحه بل كان يأمره فقط أن يفعل ذلك الشيء على قاعدة العبيد مع ساداتهم . فابحث على ما قلته من طلب ثواب أو غيره تعثر عليه ونأمل لولا أنه تعالى مدح المؤثرين على أنفسهم لما آثروا على أنفسهم أحدا ، لأن كل إنسان يقدم أغراض نفسه على غرض غيره من أصل الجبلة ، فإذا خرجوا عن شح الطبيعة أطلعهم على ظلمهم لأنفسهم الذي نهاهم عنه وأمرهم بالبداءة بها على قاعدة حديث : « الأقربون أولى بالمعروف » ولا أقرب إلى الإنسان من نفسه وعليه يحمل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ابدأ بنفسك ثمّ بمن تعول » . ليخرجه عن الظلم لنفسه فافهم ، فلا تجد قط آيتين أو حديثين صحيحين غير منسوخ أحدهما وهما متناقضان أبدا ، وإنما هما محمولان على حالين ، ولا يعرف ذلك إلا من سلك الطريق ، وأما من لم يسلك فمن لازمه القول بالتناقض ويصير يتحمّل الأجوبة من غير ذوق فتارة يخطئ وتارة يصيب فتأمل جميع ما قررناه تعرف أن الدنيا ما ذمت إلا في حق من لم يكتسب بها خيرا وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى البزار بإسناد حسن مرفوعا : « إنّ بين أيديكم عقبة كؤودا لا ينجو منها إلّا كلّ مخفّ » . وروى الطبراني بإسناد صحيح عن أم الدرداء قالت قلت لولدي ما لك لا تطلب كما يطلب فلان وفلان ، فقال إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إنّ وراءكم عقبة كؤودا أي صعبة لا يجوزها المثقلون فأنا أحبّ أن أتخفّف لتلك العقبة » . وروى الطبراني عن أنس قال : « خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما وهو آخذ بيد أبي ذرّ فقال : يا أبا ذرّ أعلمت أنّ بين يدي السّاعة عقبة كؤودا لا يصعدها إلّا المخفّون ، فقال رجل يا رسول اللّه أمن المخفّين أنا أم من المثقلين ؟ قال : عندك طعام يوم ؟ قال نعم ، وطعام غد ؟ قال نعم ، وطعام بعد غد ؟ قال : لا . قال لو كان عندك طعام ثلاث كنت من المثقلين » . وروى الإمام أحمد ورواته رواة الصحيح : « أنّ أبا ذرّ قال إنّ خليلي صلى اللّه عليه وسلم عهد إليّ أنّ دون جسر جهنّم طريقا ذا دحض ومزلّة وإنّا إن نأت عليه وفي أحمالنا اقتداء واضطماء أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقين » ، والدحض : هو الزلق . وروى الحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا : « إنّ اللّه ليحمي عبده المؤمن من الدّنيا